أبو الليث السمرقندي

532

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً يعني : أرسلنا إلى مدين نبيّهم شعيبا ومدين هو آل مدين وكان مدين بن إبراهيم خليل الرحمن ، تزوج ريثاء ابنة لوط ، فولدت آل مدين ، فتوالدوا وكثروا ، ثم صار هو اسما للمدينة ، فسميت المدينة مدين ، وسمي أولئك القوم مدين . فكفروا باللّه تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع ، وأظهروا الخيانة فبعث اللّه تعالى إليهم شعيبا . وقال الضحاك كان شعيب أفضلهم نسبا ، وأصدقهم حديثا ، وأحسنهم وجها ، ويقال : إنه بكى من خشية اللّه تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى اللّه تعالى و قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه وأطيعوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال بعضهم : مجيء شعيب النبي - عليه السلام - إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن اللّه تعالى واحد . وقال بعضهم : كانت له علامة لأن اللّه تعالى لم يبعث نبيا إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته ، إلا أن اللّه تعالى لم يبيّن لنا علامته ، وقد بيّن علامة بعض الأنبياء ، ولم يبيّن علامة الجميع . ثم قال : فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بالقسط أي أتموا الكيل والميزان بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يقول : ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها يعني : لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بيّن اللّه تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني : وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم اللّه تعالى عليكم . قوله تعالى : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ أي لا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول : تمنعون الناس عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يقول : تريدون بملة الإسلام زيغا وغيرا . وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ قال : بكل سبيل حتى تصدوا أهلها عنها وَتَبْغُونَها عِوَجاً قال وتلتمسون بها الزيغ . ويقال معناه : لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس وتخوفون أهل الإيمان بشعيب - عليه السلام - . ثم قال : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ أي كنتم قليلا في العدد فكثّر عددكم . ويقال : كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل ، يعني : الذين قبلهم قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح . ثم قال : وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ يعني : إن كان جماعة منكم صدقوا بي وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا بي أي لم يصدقوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني : حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين . فذلك قوله : حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا يعني : حتى يقضي اللّه بين المؤمنين وبين الكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدل العادلين .